أحدث ما نشر

مدونة الشاعر والباحث قاسم موسى الفرطوسي .

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2014

اهل@ الاهوار في معجم قاسم الفرطوسي الثاني -بقلم الكاتب المحامي @ حسن حافظ



اهل الاهوار في معجم قاسم الفرطوسي الثاني
                                                      

 بقلم الكاتب المحامي  حسن حافظ


يقول الفقهاء اللغويون :- ان اللغة هي ظاهرة انسانية اجتماعية كالعادات والتقاليد والازياء وبقية امور الحياة الاخرى بل ان الدكتور محمود السعدان يذهب الى ان اللغه هي لولب الظواهر الاجتماعية ووعاء تجاربها وعن طريقها يمكن معرفة خصائص المجتمع وسماته التي تميزه عن غيره (محمود السعدان – علم اللغة – ص 330) . ولهذا لايمكن معرفة لغة ما بعزلها عن تارخ ذلك الشعب الناطق بتلك اللغة فهو مبدعها وهو الذي يمارسها فاللغة- أية لغة – وهي وسيلة اتصال بين مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية فهي تسجل وتثبت في كلمات وماتؤلفه الكلمات من جمل هي نتائج عملية التذكير ومنجزات النشاط المعرفي للانسان وهكذا تجعل تبادل الافكار في المجتمع البشري ممكنا.
وتتمثل اللغة في رموزها التي هي اول ماتظهر فأنها سمعية اما الكتابة فنظام يتصل اتصالا وثيقا باللغة المنطوقة وقد عرفها احد المختصين بانها ( ذلك النظام المتشكل من الاصوات اللفظية الاتفاقية بين الناس والتي يمكن ان تصنف بشكل عام الاشياء والاحداث والعمليات في البيئة الانسانية ) ( سيد غنيم / اللغة والفكر عند الطفل / مجلة عالم الفكر ) اما دلائلها اللغوية فتأتي باختلاف السياقات . واذا اعتبرنا اللغة كما ورد في الموسوعة البريطانية بانها ( نظام اجباري من الرموز الصوتية التي يستطيع بها الجنس البشري الاتصال والتفاعل حضاريا وثقافيا ضمن الجماعة ) ( الننسملوبيديا البريطانية / ج13 / 690)  . وحيث ان الباحث ( قاسم الفرطوسي ) الذي ينطلق من بيئة الاهوار نراه يستل مفرداته من اهلها ، حيواناتها ، اسماكها ، طيورها عاداتهم وتقاليدهم ، الامثال الشعبية ، مايحبون وماكرهون .. اذا فان اللغة الدارجة ( العاميّة)  التي يستعملها الناس هناك بفطرتهم الطبيعية هي التي يتحدث عنها وهي تكاد تنحصر بتلك الطبيعة المائية وحياتهم البسيطة بالنظر لوجود هذه (المسطحات المائية ) الكبيرة اذ لايوجد امامهم سوى السماء والماء والطيور المهاجرة والاسماك الذي يشكل مع الشلب الغذا الاساسي هناك ولهذا فأن اللغة المستعملة تنطلق ضمن هذه الحياة ( الفالة ، انواع السمك وانواع الطيور المهاجرة والمحلية ، المشحوف ، انواع الشبك ، القصب ، الحلفاء ، الشلب وغيرها ) ومن الشلب يتفنن اهل الهور في صنع ( الطابك) بما يوازي ( الفطير المشلتت ) في صعيد مصر ، واذا كان شعراء العرب الجاهلية ينحصر استعمالهم لمفردات اللغة ضمن محيطهم الصحراوي ( كالجمل والضبي والسيف والرمح وادوات الصيد والادوات البسيطة التي يستعملونها في حياتهم العادية في صحراء ممتدة ومعها تلك التقاليد والعادات السائدة انذاك ) .
فهكذا تجيء مفردات الاهوار الذين يعتزون بعروبتهم فهم لاينحدرون عن كذا اصول وكذا قوميات كما يحلو للبعض ان يتهمهم ولو كانوا كذلك لجاءت مفرداتهم ذات اصول تمت الى تلك الاقوام . وان كان هذا الامر ليس معيبا فالتمازج الحضاري والتجاري والاحتلال تفعل فعلها في الاقتباس والتأثير .
فهي ايضا ذات جذور محلية وربما سومرية خصوصا وانهم صناع حضارات مثل سومر واكد وبابل والحضارة العباسية ... وو ... وهذه ليست ردا للتهمة عاطفية او ملفقة بل هي وقائع حقيقية لايرقى اليها الشك فقد سبقوا لحضاراتهم حتى الحضارة الفرعونية وحضارات الشعوب الاخرى كافة .
اذ تتحدث حضاراتهم عن خمسة الاف سنة خلت تشير الى ذلك بقايا مدنهم المطمورة تحت انقاض سومر التي هي اعمق حتى من شواهد الطوفان في حضارة امتدت عبر كل هذا التاريخ ( راجع كتاب عرب الهور / تاليف ولفريد فيسجر / ترجمة الباحث الدكتور سلمان عبدالواحد كيوش ) .
والواقع ان اية مفردة او عبارة – اذا شاركتموني الراي – بانها لغة اتفاقية كما ورد في احد مصادر نشاة اللغة فقد يبتكر احدهم كلمة ما نتيجة لتصرف معين او ان تحصل حادثة معينة ويطلق عليها اسم ما ثم تجري مجرى العرف ويتداول استعمالها بين الناس وتصبح كجزء من تاريخ ذلك الشعب او تلك الاقوام  ولاغرابة بعد ذلك ان تذكر الشاعرة ( لميعة عباس عمارة ) في بحث طريف لها نشرته في ( مجلة اهل النفط في الخمسينيات ) بأن لفظة ( جا ) التي ترد في لغة اهل الجنوب وبعض اجزاء الوسط مثل ( التكية ) اثناء الحديث انها ذات اصل سومري حتى انها نقلت رسوم حروفها بالسومرية في بحثها ذاك .. ويذكر لنا الباحث الفرطوسي ان هناك جمل من التلال والاماكن والايشانات التي يذهب الى انها سومرية وهو يذكر لنا احيانا الى انها تعود الى دولة ميسان للفترة من 229 ق م – 323 م .
وكنت قد اشرت على الباحث ان يورد المصادر كي تصبح موثقة قد اورد بعض منها واهمل الاخر وهذا لايقلل من اهمية تنقيبه الدائب هنا وهناك عن الكلمات والمفردات التي تمثل بيئتهم وسلوكهم اليومي وعاداتهم واساليبهم وعلى الرغم من وجود الامية السائدة بين الناس والنزاعات العشائرية والغزو المتبادل بين القبائل احيانا .. وقد تجد مفردة تجهل معناها او ان يتخذها الانسان في غير معناها المقصود والدارج في تلك البيئة ( الهور ) وقد تجد مفردات مكررة او انها تحمل ذات المعنى الا انها لاتفقد قيمتها . وحسنا فعل الباحث حينما قام بالاستشهاد بابيات من الشعر الشعبي او الدارمي والهوسات الشعبية والامثال الدارجة ليدعم معنى وجهة نظره او ليعمل على تقريب المفردة للمتلقي . الا انه مما يؤخذ على الباحث ان الجمل او الشروحات تبدو لنا احيانا كانها مقطوعة الصلة او انها تبدو كانها غير متراصة لكي يبدو لنا المعنى متصلا وليس منقطعا . وقد استعمل الباحث ( الالف لام)  مع كلمة (غير ) وهي لاتحتاج الى التعريف كما وردت في كتابه المجيد ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) وقد ترد هذه الكلمة ( الغير ) في القانون المدني للاشارة الى حقوق طرف ثالث كما وردت كلمة ( بحث ) حيث يذهب الفقيه اللغوي العلامة الرحال مصطفى جواد الى ان ( البحاثة ) هي ( الدجاجة ) لانها كثيرة البحث في النفايات والواقع انها تأتي على صيغة مبالغة فتؤنث مع المذكر وتذكر مع المؤنث فنقول : رجل رحالة وعلامة وبحاثة وللانثى نقول : امرأة ناهد وامراة تاعب اما كلمة ( النيص ) التي تشير الى حيون مفترس يمتطي ظهر الاسد من الخلف ويأكل منه حتى يموت ملك الغابة فهذه تذكرنابالمقوله (0وما ظالم  الا ويبلى بظالم ) وكانه تسليط من الله تعالى بمن يدعي القوة بان هناك من اقوى منه  ومما يروى عن ( النيص ) ان هناك احدهم جاء متخفيا ( ذاب جرش ) مع قبيلة اخرى بسبب او اخر وقد كانوا يظنون انه من قومية اخرى وحصل وان حدث نزاع بين ابنه وبين احد ابناء تلك القبيلة الذي اخذ يقول بانه ليس منه او انه غريب مقطوع الصلة فردّ عليه الاب مفاخرا :
  تميمي كف ماعندك تراني ...
               وعجيد الكوم بالظلمة تر اني ..
                        ودوم (النيص ) عاكف فوك الاركاب !!
فهل عكف الشيخ الباحث الفرطوسي فوق رقاب الكلمات ( الهورية ) اذ يورد لنا كلمة ( نسناس ) التي يرد انها تشير الى هبوب الباردة والمنعشة الا انني اجد ان لها معنى اخر ذلك انها تطلق على القرد الذي يثب على رجل واحدة ( راجع مختار الصحاح ) واضيف ايضا انهم وفي مصر يطلقونها ايضا على من يتشابه سلوكه مع سلوك النسناس او ( البهلوان ) لغرابة تصرفاته غير المتزنة . اما حين يشرح الباحث كلمة ( ططوه ) وهي من انواع الطيور التي يتشائم منها الناس حينما يسمعونها شأنها شأن البوم حيث يردون عليها في البيئات القروية ( سجين وملح ) وقد درج بعض الناس على صياغة تلك الاصوات ضمن هذا الايقاع ( من لاكي جيس التتن ؟؟ ) بينما يذهب الاخرون في صياغتها على الايقاع التالي :
(صياد رماني )
وهكذا يأتينا هذا المعجم في جزءه الثاني ليتحدث لنا عن تلك الاجواء التي كانت شاعرية عن البردي والقصب وانواع شتى من الطيور التي ربما لم نسمع بها وكذلك ليتحدث لنا عن حكايات المثلوجيا من اساطير وعجائب وغرائب ومعها السحر التي استلها من تلك البيئات - الذي هو ابنها – وكيف ينفق الناس اغلب نهارهم وليلهم مع عالم الماء ومسطحات الاهوار ودروبها الضيقة والسرية احيانا التي ترافقها الكثير من الاساطير والخرافات كما انها كانت ملاذا للثوار احيانا وللفارين من السلطة احيانا اخرى فقد اختبأ في الاهوار ثوار المقاومة ( جماعة كفاح المسلح ) في الستينات واطلقوا على انفسهم ( فيت هور ) تشبها بثوار فيتنام كما كان يطلق على تلك البئية ايضا فنيسيا العراق التي حاول النظام الدكتاتوري تجفيفها وطمرها بما فيها من فؤائد جمة في مقدمتها الحفاظ على التوازن البيئوي ومن ثروات سمكية هائلة وطيور كثيرة وحيوانات ( جاموس على وجه الخصوص ) بدلا من ان يعمل على جعلها مركزا سياحيا كبيرا بل ومشتى جميل يدر المليارات خصوصا وقد عاش فيها الكثير من الباحثين الاجانب وكتبوا عنها الكثير .
4:10 ص

السبت، 4 أكتوبر 2014

(شاكر الشرقاوي في بيوت العنكبوت)





(شاكر الشرقاوي في بيوت العنكبوت)

 الباحث قاسم موسى الفرطوسي


من ظلم وجور الاقطاع وتسلطه على رقاب الفلاحين وفرضة اعمال( السخرة ).هاجر وادي بن انعيد بن وكف بن احويس الفرطوسي من هور الصحين في العمارة الى بغداد وسكن منطقة فقيرة وشعبية بجانب الكرخ تسمى الشاكرية ،والتي هي المنطقة (الخضراء حاليا  ) واشتغل عاملا في وكالة الانباء العراقية حتى ولادة ابنه عام 1957 وسماه شاكر ومن ثم انتقل الى مدينة الثورة،فعاش شاكر طفولته وشبابه فيها حتى تخرج من الجامعة عام 1983 واصبح مدرسا لمادة الفيزياء في ثانويتها .وكان شاكر مولعا بالشعر الشعبي والفصيح وكتابتة القصة ،فنشرت له الصحف العراقية ومن كلماته غنى له بعض مطربين الشباب ،ومن ثم اسس منتدى الثلاثاء الثقافي للشعر والمسرح والغنا والموسيقى والصحافة فاانتشر خبره في اوساط المثقفين حتى انتدابه مدرسا الى اليمن ولمدت سنتين وفي مدينة (ابين)فعاش فيها لوعة الغربة والاغتراب وبعد عودته اصدر ديوانه الشعبي (غربة و اغتراب )ومن ثم توالت دواوينه في الشعبي والفصيح ومنها (بيوت العنكبوت ،واريج الاقحوان،سجع الحروف)وطبع بعض الكراسات الصغيرة في الدارمي والابوذية والقصة ومن ديوانه الغربة والاغتراب جاءت هذه الابوذية ..
امس گلبي يبوية سال مني
ومثل سيل المدامع سال مني
الغربة والتجافي سال مني
ردت بس صوتكم ما صح بدية
وشاكر نضم القصيدة الوطنية والوجدانية الغزلية والموال والدارمي والابوذية والاغاني ومن ديوانه العنكبوت جاء هذا الموال ..
يا صاح جيتك اهم في امر كلش ملح
والكيت البشر مو بشر ووجوه كلهة ملح
.فكيت  جرح الامس وذريته بيدي ملح
كل ضني توفي الى وتقدم ليه شكر
 شاكر مسحت الالف و سميت روحي شكر
 كريت روحي الك وتكل لية كر لي شكر
 راح اتركك للزمن وعالصلح ابدا ملح
 اختار شاكرا سمه الفني من كلمة (شروگية )المتداولة في بغداد ،ومن عائلت الوادي برز في التسعينيات شاعر الضحك والهزل والتحشيش اخيه (رياض الوادي )ويعد ذلك الى والدهما لانه موسوعه في حفظ الشعر الشعبي وقصص وحكايات اهل الهور،ولا زال بيت الوادي ملتقى المثقفين والتجمعات العشائرية في مدينة الصدر.




من ظلم وجور الاقطاع وتسلطه على رقاب الفلاحين وفرضة اعمال( السخرة ).هاجر وادي  الفرطوسي من هور الصحين في العمارة الى بغداد وسكن منطقة فقيرة وشعبية بجانب الكرخ تسمى الشاكرية ،والتي هي المنطقة (الخضراء حاليا  ) واشتغل في وكالة الانباء العراقية حتى ولادة ابنه عام 1957 وسماه شاكر ومن ثم انتقل الى مدينة الثورة،فعاش شاكر طفولته وشبابه فيها حتى تخرج من الجامعة عام 1983 واصبح مدرسا لمادة الفيزياء في ثانويتها .وكان شاكر مولعا بالشعر الشعبي والفصيح وكتابتة القصة ،فنشرت له الصحف العراقية ومن كلماته غنى له بعض مطربين الشباب ،ومن ثم اسس منتدى الثلاثاء الثقافي للشعر والمسرح والغنا والموسيقى والصحافة فاانتشر خبره في اوساط المثقفين حتى انتدابه مدرسا الى اليمن ولمدت سنتين وفي مدينة (ابين)فعاش فيها لوعة الغربة والاغتراب وبعد عودته اصدر ديوانه الشعبي (غربة و اغتراب )ومن ثم توالت دواوينه في الشعبي والفصيح ومنها (بيوت العنكبوت ،واريج الاقحوان،سجع الحروف)وطبع بعض الكراسات الصغيرة في الدارمي والابوذية والقصة ومن ديوانه الغربة والاغتراب جاءت هذه الابوذية ..
امس گلبي يبوية سال مني
ومثل سيل المدامع سال مني
الغربة والتجافي سال مني
ردت بس صوتكم ما صح بدية
وشاكر نضم القصيدة الوطنية والوجدانية الغزلية والموال والدارمي والابوذية والاغاني ومن ديوانه العنكبوت جاء هذا الموال ..
يا صاح جيتك اهم في امر كلش ملح
والكيت البشر مو بشر ووجوه كلهة ملح
.فكيت  جرح الامس وذريته بيدي ملح
كل ضني توفي الى وتقدم ليه شكر
 شاكر مسحت الالف و سميت روحي شكر
 كريت روحي الك وتكل لية كر لي شكر
 راح اتركك للزمن وعالصلح ابدا ملح
 اختار شاكرا سمه الفني من كلمة (شروگية )المتداولة في بغداد ،ومن عائلت الوادي برز في التسعينيات شاعر الضحك والهزل والتحشيش اخيه (رياض الوادي )ويعد ذلك الى والدهما لانه موسوعه في حفظ الشعر الشعبي وقصص وحكايات اهل الهور،ولا زال بيت الوادي ملتقى المثقفين والتجمعات العشائرية في مدينة الصدر.
3:38 ص

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

معلم من الموصل




  

 جدول الكحلاء المتفرع من ضفة دجلة الشرقية قرب مدينة العمارة, تنساب مياهه الغرينية ماراً بقرية مسيعيدة (مدينة الكحلاء حاليا),وعلى ضفاف فرعيه (العدل) و(الاعيوج) تقع عشرات القرى والمضايف القصبية المقوسة لعشائر آلبو محمد العزاوية, ومن ثم تصب تفرعاتهما في أهوار (أم الطوس, أم نعاج, أم طفر) كان هذا في بداية عام 1935 من القرن المنصرم , حيث أخذ رؤساء العشائر والمتنفذين من الاقطاعيين بمطالبة مديرية معارف لواء العمارة آنذاك لفتح مدارس لأولادهم, فوافقت المديرية بفتح مدرستين الأولى باسم (مدرسة العدل الريفية) والثانية ( مدرسة الأعيوج الريفية) وكانت أغلب المدارس تسمى باسم شيخ العشيرة أو العشيرة أو القرية أو النهر, وبعد أن تعهد أولياء أمور الطلبة ببناء صفوف المدرسة من القصب والبواري (صرائف) وبطريقة (العونة), وكذلك تم تعيين (جلوب) فراشاً و(عبعوب) حارساً ويتقاضيان معاشهما طناً من الشلب سنوياً تبرعاً من الاقطاع والفراش إضافةً لوظيفته فما عليه إلا وأخذ مدير المدرسة بمشحوفه (دافوع) إلى قرية مسيعيدة ثم ينتظره يوم أو ثلاثة ايام حتى يعود المدير بالرواتب والبريد الرسمي بعد أن يستلمهما من مديرية المعارف في العمارة, أما الحارس عليه توفير المواد الغذائية والتعهد بالطهي والخبز بأجور يتفق عليها مع المعلمين المقيمين في بناية المدرسة, وكان أغلبهم وافدين من المدن الوسطى والشمالية مثل (بغداد, بعقوبة, الموصل, السليمانية) وذلك لعدم وجود معاهد وثانوية واحدة في العمارة لا تكفي لدخول بعض خريجيها لدورات صيفية لسد الشواغر, وكان المعلمون الوافدون يعانون معاناة كبيرة بعد أن تنقطع أخبارهم عن عوائلهم حيث لا يرونهم إلا في العطلة الصيفية وذلك لرداءة الطرق وقدم وسائط النقل وكان الاتصال الوحيد بينهم هي الرسائل البريدية والتي قد تتأخر لأكثر من شهر, وعندما توسعت هذه المدارس أصبحت تحتاج أعداد من المعلمين وقد يصعب على المديرية سد الشواغر فيها وهذا ما حصل فعلاً في مدرسة الاعيوج بعد حدوث شاغر فيها وهناك فيض في ملاك مدرسة العدل فأوعزت المديرية لنقل أحد المعلمين من العدل إلى الاعيوج واصدرت كتابا بنقله المؤرخ والمرقم, وبعد تبليغ المعلم بأمر نقله رفض ذلك وعاش دوامة كتابنا وكتابكم فطلبت منه المديرية استفساراً خطياً وطرحت عليه هذا السؤال عن أسباب رفضه (بين أسباب عدم ألتحاقك بمدرستك الجديدة؟) فكلن رد المعلم المنقول على الاستفسار بقصيدة مبينا فيها معاناته في مدرسة العدل وما لاقاه من تصرفات عبعوب وجلوب ونختار منها هذين البيتين :
فبـالعدلِ المحببُ ما استقمنــا          فكيف و(بالاعيوج) نستقيمُ
فمن (عبعوب) ذقتُ العيش مراً         ومن (جلوب) راواني السقامُ
وبعد أن أطلع السيد المدير العام على الاستجواب (القصيدة) أمر له بالبقاء في مدرسة العدل, وكل المصادر تشير بأن هذا المعلم الشاعر من أهالي الموصل وكان أول تعيينه في ريف العمارة, وبعد أن انتشرت المدارس في العمارة حتى وصلت إلى أبعد قرية في الهور فقد أصبح ريف العمارة منجماً للمبدعين من رواد الفكر والثقافة والأدب والفن والرياضة والمعرفين عراقياً وعربياً وحتى عالمياً وهم بالمئات ولا حصر لهم لأنهم عاشوا على أرث حضاري امتداده ستة آلاف سنة, وبعد أكثر من سبعين سنة ق.م لازالت حكاية هذا المعلم الشاعر في ذاكرة أهل الهور يتناقلونها في مضايفهم ودواوينهم, وحقاً كان المعلم كالشمعة يحترق ليضيء للآخرين

الباحث قاسم موسى الفرطوسي
1:33 م